الأطفال مكانهم الأسرة، الشركاء السعداء، والمكان الصحي الذي يراعي المصلحة الفضلى للطفل. ما هي المصلحة الفضلى للطفلة أو الطفل...أليس أن نحميهم جميعاً الآن وفي المستقبل؟
تطرح هذه المقالة مساهمة في فهم المصلحة الفضلى للطفل/ة، وتعيد النقاش إلى أصله الفقهي والمنطقي، كذلك تكتب هذه المقالة كملاحظة قصيرة على حدثين مُنفصلين:
الأول: ندوة بعنوان " دعوى ضم الطفلة التي بلغت سن الخامسة عشرة كوسيلة لإسقاط النفقة" الذي نظمته العيادة القانونية في جامعة النجاح الوطنية بحضور أصحاب الاختصاص في القضاء الشرعي ونائب محافظ نابلس، بتاريخ 10-11-2025.
والثاني: مؤتمر "المتلقى الوطني لعدالة الأطفال في فلسطين" التي نظمته الحركة العالمية لحقوق الطفل بتاريخ 30-11-2025.
أما الملاحظة الأولى وتلخيصاً للقاء العيادة القانونيّة في جامعة النجاح الوطنيّة بأن دعوى الضم الطفلة تستغل لقطع النفقة وتم عرض الفكرة بطريقة تمثيلية في المحكمة الصورية وسيناريو قانوني محكم، ولحقه نقاش قانوني بين عرض الفكرة ومناقشتها مع أصحاب الاختصاص وبعد أخذٍ وجذب احتد ورخى، فهمنا ومن أصحاب الاختصاص أنه لا يوجد ما يمنع أو يتعارض مع مورد نص شرعيّ في أن يتم تخيير الطفلة مثلها مثل الطفل لكنّ أن ذلك اجتهاد، فلا يوجد مورد نص يملي لنا أنّه يمكن اجبار الطفلة على اختيار الأب من خلال رفع دعوى الحضانة، بل الصحيح أن تخيّر لا أن تجبر مثلها مثل الطفل.
لذلك، وبكلمات أخرى، من الأفضل ألا يكون هناك "دعوى ضم" بل أن تكون الدعوى دعوى "إسقاط الحضانة" للجهة المُقصرة في أداء واجبها للطفلة المحضونة فقط، وليس دعوة الطفلة من حضانة أمها.
وهذا من ناحية ينسجم مع اجتهاد المحكمة الشرعية فيما يخص نفقة المسكن مثلاً، فكما قررت المحكمة أنّ الأولوية للأم أن تظل في مسكنها إلى حين أن يجد الأب بيتاً جديداً، لا العكس بأن يقوم بطردهم/ها- أو تفقد حقها في البيت ثم تطالب بحقها من خلال المحكمة في المسكن أو نفقة المسكن، أي الأولى، والمصلحة الفضلى هو الإبقاء على الملاذ الآمن، البيت، تقديم الحق دون اضطراب، لا الإبقاء على ثغرة قانونيّة لزعزعت الحق في المسكن.
ومن ناحية لأنّ الحضانة حقٌ للمحضون(الطفلة/الطفل)، بالتالي قياساً على اجتهاد المحكمة الأصح ألا تسمع "دعوى الضم" فهي تزعزع حقاً ثابتاً كما المسكن، والحق الثابت هو الحضانة ذاتها وهي كما قلنا حقٌ للمحضون أولاً وهو قول الفقهاء.
دعوى الضم تنظرُ في الحضانة أي في حق الطفل، دون أساس شرعي، وهي دعوى يتم استغلالها كما هو مكتوب عنواناً للندوة في جامعة النجاح الوطنيّة لإسقاط النفقة.
لذلك قلت أن تتقدم وتدرس دعوى "إسقاط الحضانة" أي أن يكون موضوع الدعوى هو النظر في الأهلية القانونيّة في القدرة على تربية الطفلة مما يؤثر حُكماً على الحق فنقل الحضانة.
فعلاقة الانسان بالمجتمع جسر من التعلم لتبقي العلاقات مُنظّمة؛ بالقانون، وجزء منه كيان الطفلة أو كيان الطفل اللذان يشكلان المستقبل، أي أن القانون يفكر في حماية المستقبل. والتاريخ الفقهي الإسلامي فيه المرونة العالية فقد تُمحى تشريعات مثل سهم المؤلّفة قلوبهم عندما ألغاه عمر بن الخطاب، أو تشريعات دينية تُضاف مثل العَوْل في الميراث عندما أضافه عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-. لذلك لا يوجد ما يمنع من إعادة التفكير في "دعوى الضم".
أما الملاحظة الثانية، وهي المعضلة التي أود استغلال هذه المقالة لشرحها، لتوضيح خلل شائع في نمط اهتمامنا بالأطفال وبطريقة حلنا للمشاكل كقانونيين وكمجتمع، يمكن النظر إلى هذا الحوار البسيط كمثال من الحياة العمليّة وسأشرحه بعد فقرة الحوار:
الحوار: لأب أو أم تتحدث مع قريبها
"كيف حال الولاد، كيف حال أسعد؟ كيف مُحسن؟
- متل القرد مُحسن مغلبني...عمل هيك وهيك..ويوم كزا عمل كيت وكيت
بجاوب الشخص التاني بما يسمح المجاملة أو على حسب حدود العلاقة وبعدها بسأل، اه وأسعد شو أخباره؟
- لا أسعد هادي ما بغلب..مخلصتلكيش عن مُحسن لو تشوف شو عمل مُحسن هداك اليوم بالمدرسة!"
نلاحظ انه الكلام أكثر عن الطفل المشاغب، أما الطفل الهادئ الكلام عنه أقل. وبالتالي يترجم هذا الكلام للطفلين بمشاعر "الاهتمام" فيبدو أن الأم مهتمة أكثر بطفلها المشاغب فهو كثير المتاعب ولديه الكثير من التشويق والأحداث في الفصل الدراسي، على عكس الطفل الهادئ "المسكين ما اله صوت". فإذا حضر المستمع لرؤية الطفل المشاغب فسيتحدث معه لنصحه بأحسن حال أو لمشاكسته، ويسمى هذا تفاعلاً. تفاعل، يعكس أيضاً مشاعر "اهتمام"، اهتمام بالحدث، أو اهتمام في الطفل، الاهتمام بشخصيته أو فطنته أو شره أو ذكاءه.
هو اهتمام في النهاية. وعند تغذية الاهتمام لدى الطفل -سنقول أنه "شرير" أو شرّاني كما نقول بالعامية-... بعدها هذا الاهتمام لن يكون مُحسن شريراً عادياً.
فمُحسن ليس شريراً عادياً، فهو ذكي ويحظى باهتمام عائلته وجيرانها واهتمام الشارع وانشغال معلماته ومعلميه فيه، ومعدله الدراسي ممتاز، لكنه يفتعل الشر ويؤذي جاره وجارته في مقاعد الدراسة وصديقه في الشارع وساحة المدرسة.
بالتالي الشرير نتحدث عنه دائماً ويحظى باهتمام حتى في فقرات هذه المقالة.
وكأنّ سلطة الطفل المشاغب تطغى على الطفل الهادئ فهو الطفل الذي يحظى باهتمام أما الطفل الهادئ سيشعر أنه أقل قيمة، فيصبح الشر له ثقة أكبر من الهادئ أو الطيّب الذي لا يفتعلُ شراً ولا يسبب إزعاجاً وبالتالي تضعف شخصيته، وبالتالي يضعف حضوره، وينعكس ذلك على رقعة المجتمع كاملة.
وهذه هي الملاحظة على المؤتمر الوطني لعدالة الأطفال في فلسطين في جلسته الأولى والثانية، أما الثالثة فتناولت الإطار الدولي لحماية أطفال الحرب -حيثُ كانت الأبحاث ممتازة في الجلسات الثلاث ومع تقديري الكبير لمستوى الأوراق المقدّمة في المؤتمر، وأنوي قراءتها جميعاً بعد نشرها، لكن لم يتحدث أحد عن حماية الأطفال الضحايا في مجتمعنا المحلي فكان جلّ الاهتمام حول المحاكمة العادلة للطفل الجاني وليس حماية الطفل الضحيّة من التنمر، أو تعنيف الأسري وكيفية حماية ذا الطفل من أن يتحول إلى جاني مُحتمل الذي ربما يصبح كذلك في مراهقته وكبره، رغم أنّ عنوان الدعوة البحثية هو "عدالة الأطفال".
لذا لأرجو أننا نحتاج لتوجيه النظر إلى المصلحة الفضلى للطفل، وهي ليست مصطلحاً تجميلياً، بل معياراً أصيلاً يجب أن تُقاس عليه كل دعوى وكل تشريع أسري وكل تدخل اجتماعي رغم اتساع المصطلح إلا أنّ له خط واضح، فالطفل ليس حقًا للوالدين يتنازعان عليه، بل كيان له حق في الاستقرار والملاذ والحماية. والطفل ليس تجربة قانونية أو مجتمعية بل كيان يجب أن ترعاه المحاكم والمدارس وبالتعاون مع البلديات لإصلاح منظومة الأسرة في القانون الفلسطيني، وتطوير الإرشاد النفسي والاجتماعي في المدارس، وتغيير نظرتنا لعدالة الطفل وإعادة التوازن بين حماية الجاني وحماية الضحية، كلها أساسيات لضمان مجتمع أكثر عدلاً وأمانا، فالحماية للأطفال جميعاً.
نحتاج إلى حماية الأطفال الضحايا وتطوير العاملين وتوسعة كادر الإرشاد المجتمعي داخل المدارس والمحاكم وإعداد خطة طارئة لذلك، ولنحمي الطفلة من ضغط أن تقطع النفقة وأن تكون محل ضغط ومساومة في فترة نموّها الحساسة.
ملاحظتان حول العدالة للطفل