مع الإعلان عن نية تعديل القانون، تعود الحاجة إلى مراجعة المواد التي أثبتت التجربة العملية محدوديتها وعدم عدالتها، وفي مقدمتها المادة (132) المتعلقة بدعوى الشقاق والنزاع. تأتي هذه الورقة لتسليط الضوء على الإشكاليات الفقهية والقانونية والعملية في هذه المادة. نطرح هذه المقالة القصير لنقد المادة القانونية 132 من قانون الأحوال الشخصية. حيثُ لا نراها منصفة أو عادلة!
تضيء المقالة جانب يمارسه المحامون والمحاميات ولكن، على فرط ممارسته لم يعد أحد يتسائل: كيف لهذا الإجراء أن يكون منصفاً وعادلاً؟ نحن لا نراه أبداً كذلك!
ما يحدث في الدعوى استنادا على نص المادة رقم 132 من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1976م أن حق المرأة ينتهك وذلك في انتقاص مهرها اللذي استحق يوم العقد. لماذا عند تسوية الحياة الزوجية ينتقص من مهر المرأة؟! ألم تستحقه وقت كتابة عقد زواج صحيح؟! فلماذا ينتقص من مهرها على حسب نسبة الإساءة؟ ما هو الأساس القانوني لذلك؟
1. إشكالية في الأساس الحقوقي
وُجدت دعوى الشقاق والنزاع لتكون مخرجًا عندما يستحيل استمرار الحياة الزوجية بسبب كثرة الخلافات. تهدف إلى إتاحة الفرصة أمام الطرفين لعرض شكواهما أمام المحكمة مع إمكانية التحكيم من أهل الزوجين. شُرعت أساسًا لحماية الأسرة وإيجاد حل عادل عند تعذر استمرار الحياة الزوجية أو إعادة إحياءها كان الهدف منها حماية الأسرة من الطلاق التعسفي أو الظلم. نص القرآن يقول: {فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها}، ودور الحكمين الإصلاح أو التفريق بما يحقق المصلحة. التطبيق الفلسطيني جعل الحكمين لجنة تقييم نسبة إساءة غير عادلة. هذا يُبعد الدعوى عن جوهرها الأسري الإصلاحي، ويحصرها في معادلة تعويض مالية تضرّ غالبًا بالزوجة.
رغم أنّ قانون الأحوال الشخصية يسير على المذهب الحنفي بشكل عام، وختار في دعوى الشقاق والنزاع يسير على المذهب المالكي. لكن أيضاً دعوى الشقاق والنزاع تسير على غير هداه، حيث يقول المذهب المالكي " بعث القاضي حكمين: حكماً من أهلها وحكماً من أهل الزوج، لفعل الأصلح من جمع وصلح أو تفريق بعوض أو دونه" ولم يذكر انقاص المهر أو تخفيفه.
اتفقت النصوص الشرعية والفقهية متفقة على أنّ المهر حق خالص للمرأة بمجرد العقد والدخول، لا يجوز المساس به إلا برضاها.
وبالجدول الموضح للمادة 132 من القانون جعلت المهر محل اقتطاع وتعويض بناءً على “نسبة الإساءة”، وهذا يُفرغ المهر من جوهره كدين مستحق ثابت. أوجدت المادة آلية لمصادرة جزء من حق المرأة (المهر) بذريعة توزيع نسبة الإساءة، وهو أمر لا أصل له في أي مصدر تشريعي.
بالإضافة إلى ذلك، نرى أن ميزان التعويض في ذات المادة فيه خللٌ، قد يظن البعض أنّ ميزان التعويض هو محصورٌ في المهر المعجل، حيث إن كانت الإساءة مشتركة فإن التفريق يكون على "قسم من المهر يتناسب مع نسبة الإساءة"، أي أنّه أمر على كلا الطرفين، لكن هذا غير صحيح.
3. عدم المساواة في ذات المادة القانونية المَعيبة
حيث يمكن من قراءة النص أن نستتنج عدم مساواة الطرفين في حقوق التقاضي، حيث أن العوض إن كانت كامل الإساءة على الزوجة فإن طلاقها بدفع تعويض "على أن لا يقل عن المهر وتوابعه"، أي أنّه من الجائز أن يكون أكثر من المهر نفسه. وزاد كفة ميزان تعويض الرجل باقول "عن المهر وتوابعه" أي أضاف التوابع في التعويض. وهنا نلحظ عدم مساواة في القانون ذاته فهو يفرق بين التعويض بالنسبة للزوج والزوجة المتخاصمين في ذات المادة القانونيّة.
أما وفي حال كانت الإساءة كاملة على الزوج يكون" التفريق بطلقة بائنة، مع احتفاظ الزوجة بجميع حقوقها وكأن الزوج طلقها". أي عوض طلاقها يكون باحتفاظها بحقوقها!
ولاحظنا من خلال الممارسة العمليّة أنّه لم يمر علينا أيّة حالة كان فيها تقدير الإساءة غير معلوم بحيث " التفريق على العوض الذي يريان أخذه من أي من الطرفين". رغم أنّ آية الطلاق في سورة البقرة واضحة: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)سورة البقرة." وفي سورة النساء: وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها} النساء:٣٥/ ٤.
4. المهر حق ثابت لا يُنتقص
المذهب المالكي أجاز التعويض ولم يوجبه " تفريق بعوض أو دونه". أي أن المذهب المالكي لم يجز المساس بالمهر أصلاً، بخلاف ما جاء به القانون الفلسطيني. فالمهر واجب ولمجرد العقد تستحق كل المهر-بعد الدخول- ويشترط فيه ما يشترط في الثمن من الطهارة والانتفاع والقدرة على التسليم والمعلومية . إذا كان القدرة على التسليم غير واردة بسبب ورود مثل هذه الإجراءات كاحتمال في عقد الزواج بحيث يصبح المهر بمكان لا يمكن الانتفاع منه. أما دعوى الشقاق والنزاع تحور من مفهوم "الفداء"، كأنه ستكون المرأة إما أمام طلاق مقابل الإبراء وإما طلاق مقابل الإنقاص من حقها.
من ناحية أخرى، العملية، فإنّ ما تقوم به المحاكم الفلسطينية هو تقسيم "المهر المؤجل" عن "المهر المعجل" كأنّ له طبيعة مختلفة!
خلال التطبيق الحالي يجعل المهر المعجل شرطاً (ثمن معلق على شرط) وليس مهراً وأصله دين كما المهر المؤجل هو دين على الزوج. فإذا تراضى الناس، سواء جعلوه معجلًا، أو جعلوه مؤجلًا، أو عجلوا قليلًا، وأجلوا كثيرًا تسهيلًا على الزوج، وحرصًا على بقاء العشرة بينهما؛ فلا بأس بهذا . وبهذه الدعوى القضائية يجعل من المهر مخالفاً لنية المتعاقدين وأصله بأن يكون المهر مهراً، ويصبح شرطاً.
عمليًا، المحاكم الشرعية الفلسطينية نادرًا ما تحكم بأن الإساءة كلها من الزوج، وغالبًا ما تكون النتيجة: "إساءة مشتركة أي خصم من المهر المؤجل"، ولا يتجه الحكمين إلى القول عدم القدرة على التقدير. لذلك لا نرى دعاوى "طلاق تعسفي" في المحاكم لأنّ الزوج يلجأ إلى الطلاق بهذه الدعوى كحيلة لتخفيف المهر المسمى! بالرغم من أن العصمة بيده ويستطيع دفع الضرر عن نفسه بالطلاق.
لكل ما تقدم، نرى كيف تتحول الدعوى إلى باب لإضعاف حق المرأة المالي بدلًا من أن تكون وسيلة عادلة لإنهاء علاقة متوترة أو إعادة إحياءها. هذا يخلق شعورًا واسعًا بين النساء أن اللجوء إلى المحاكم لا يحقق العدالة وإنما يُضاعف الخسارة وقتاً ومادياً وحقاً. الاشكالية في هذه الدعوى: الشقاق والنزاع إجراءاتها تنتهك أصل الحق، ألا وهو المهر الذي استحل به الفرج من الأساس. وعليه، فإن المادة 132 بصيغتها الحالية لا تحقق العدالة، بل تُضعف حق المرأة المالي وتحوّل المهر إلى أداة للتعويض، وهو ما يستدعي مراجعة.
ما مدى حقوقيّة دعوى النزاع والشقاق في القانون الفلسطيني والمحاكم الفلسطينية؟